ابن العربي
92
أحكام القرآن
المسألة التاسعة - قوله تعالى : حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ . روى الأئمة بأجمعهم : قال عدىّ بن حاتم : لما نزلت هذه الآية عمدت إلى عقالين لي أسود وأبيض ، فجعلتهما تحت وسادتي ، وجعلت أنظر في الليل إليهما فلا يستبين لي فعمدت إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فذكرت ذلك ، فقال : إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار ، ونزل قوله تعالى : ( من الفجر ) . وروى الأئمة : قال النبي صلى اللّه عليه وسلم « 1 » : لا يمنعنكم أذان بلال من سحوركم ، فإنه يؤذّن بليل ، ليرجع قائمكم ، ويوقظ نائمكم ، وليس أن يقول هكذا - وصوّب يده ورفعها - حتى يقول : هكذا - وضرب بين أصابعه . المسألة العاشرة - قوله تعالى : ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ . فشرط ربّنا تعالى إتمام الصوم حتى يتبيّن الليل ، كما جوّز الأكل حتى يتبين النهار ، ولكن إذا تبيّن الليل فالسنّة [ 50 ] تعجيل الفطر . وقد روى الأئمة منهم البخاري « 2 » عن عبد اللّه بن أبي أوفى ، قال : كنّا مع النبىّ صلى اللّه عليه وسلم في سفر ؛ فصام حتى أمسى ، فقال لرجل : انزل فاجدح لي « 3 » . قال : لو انتظرت حتى تمسى . قال : انزل فاجدح لي إذا رأيت الليل قد أقبل من هاهنا وأدبر من هاهنا فقد أفطر الصائم . المسألة الحادية عشرة - كما أنّ السنة تعجيل الفطر مخالفة لأهل الكتاب كذلك السنة تقديم الإمساك - إذا قرب الفجر - عن محظورات الصيام . ومن العلماء من جوّز الأكل مع الشك في الفجر حتى يتبيّن ؛ منهم ابن عباس والشافعي ، لقوله تعالى : حتى يتبيّن ، ولأن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم قال « 4 » : وكلوا واشربوا حتى ينادى ابن أمّ مكتوم ، وكان ابن أم مكتوم رجلا أعمى لا ينادى حتى يقال له : أصبحت أصبحت .
--> ( 1 ) في ابن ماجة ( صفحة 541 ) : عن عبد اللّه بن مسعود أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحور ، فإنه يؤذن لينتبه نائمكم ، وليرجع قائمكم ، وليس الفجر أن يقول هكذا ، ولكن هكذا يعترض في أفق السماء . ( 2 ) صحيح البخاري : 3 - 45 ( 3 ) الجدح : أن يحرك السويق بالماء ويخوض حتى يستوي ، وكذلك اللبن . ( النهاية - جدح ) . ( 4 ) صحيح البخاري : 3 - 35